"محاكمة العشرية" : « مشادات كلامية » بين دفاعي كل من المتهمين والدولة :|: بث إذاعة "بي بي سي" العربية يودع الأثير غدا ! :|: محاكمة "العشرية" : شرعية سجن المتهمين تثيرجدلا كبيرا :|: FMI : سنمنح موريتانيا أكثرمن 86 مليون دولار :|: أسئلة سريعة على هامش مهرجان تيشيت/ الحسين بن محنض :|: نص خطاب الوزيرالأول أمام البرلمان (برنامج الحكومة) :|: الوزيرالأول يقدم حصيلة عمل الحكومة وبرنامجها أمام البرلمان :|: محاكمة "العشرية" : بعض الشهود وصلوا إلى المحكمة :|: بيان جديد من منتدى المستهلك :|: أين تتجه أسعارالغذاء العالمية في2023 ؟ :|:
أخبار
اقتصاد
تحقيقات وتقارير
مقابلات
منوعات
الرأي
مواقع

الأكثر قراءة

الشرطة تعتقل أجانب بعد محاصرة "نقطة ساخنة"
وزارة المالية : رصد بعض التجاوزات في تنفيذ ميزانيات الدولة
أنباء عن عودة بيع لحوم الدجاج ولكن بأسعارغالية
10 صفات تجعلك مكروها من المحيطين بك !
السنتيمترالواحد بـ10 آلاف دولار.. مالقصة ؟
إجراءات جديدة لإحصاء وتحديد موظفي التعليم
تصريحات لوزيرالتهذيب الوطني حول معاملته للمدرسين
تصريحات جديدة مثيرة للرئيس السابق
استحداث خدمة جديدة لتشغيل "الواتساب" بدون أنترنت
صحة : ما أسباب الكلام أثناء النوم ؟
 
 
 
 

الجامعة بين التنوير والتدبير / حماه الله ولد السالم

lundi 15 février 2010


نشأت النهضة العلمية في دار الإسلام، ضمن مؤسسات علمية راسخة هي المدرسة الإسلامية، وهي الهيئة التدريسية والتربوية في آن، تظهر بوقف من قبل الحاكم أو بعض الأعيان أو حتى من عامة الناس.

لذلك كانت المؤسسة العلمية الإسلامية مستقلة ماليا ومؤسسيا، ما أتاح لها حرية الاختيار في الدرس والبحث والنظر وفسحة التلقي منها للكافة. يؤمها الطلاب من كل فج، مهما بعدت الشقة أو اختلفت نحلهم من العيش أو الجنس واللغات، يجدون خبز يومهم ويتلقون المعارف عن شيوخ جمعوا بين العلم والخلق، وبين الورع والرواية وحتى بين الهيبة والتواضع.

لم يكن هناك فصل بين العلم والأخلاق ولا بين المعارف والمجتمع، ولذلك وُجِد علماء أجلاء من بين أصحاب الحرف : عالم دباغ، وعالم حداد، وعالم جندي، وآخر تاجر في أحسن الأحوال، صونا لحرمة العلم وصيانة لكرامة أهله، فعلوا في نظر العامة وهابتهم الخاصة، وسار في جنائزهم، حين رحلوا عن الدنيا الفانية، خلق كثير يبكي في رحيلهم إدبار العلم والورع وقيم الأمة، ويبكي على من تنكب طريقهم فخان الأمانة ونهج النبوة.

ظلت المدرسة الإسلامية على ذلك النحو ردحا طويلا من الزمن، فأخرجت أفواجا من أهل العلم برز منهم شيوخ محدثون وفقهاء مقتدرون وعلماء متمكنون، كانوا قدوة في أخلاقهم قبل أن يكونوا نقلة للعلم، التزموا الدراية قبل الرواية، وقنعوا بالقليل قناعة بما لديهم من جليل المهنة ونفيس البضاعة.

ولكن لكل بناء سوسة كما يقال، فلما أدبرت أيام حضارة الإسلام، وظهر العدو على أطراف البلاد، وتصدع نظام الاجتماع الأهلي، وتفككت عرى البلدان في ظل حروب المتغلبين، آذنت شمس المدرسة الإسلامية بالمغيب، ولم يغن عنها شيئا تنافس الأمراء في العمران وتزيّدهم في تقريب العلماء.

فكانت مقولة الآبلي : إنما أذهب العلم كثرة التأليف وبنيان المدارس. قصد بذلك أن نساخة الكتب وتعدد المدارس في القطر الواحد نقصتا من همم طلبة العلم أول درْسهم ثم عندما جاوزا آماد الطلب.

كان ذلك في عهد ابن خلدون، في أخْريات أيّامه، قبل أن تسقط الأندلس، لتنتهي عصور النهضة العربية الإسلامية، ولتبدأ عصور الكشوف الجغرافية والتوسع الأوروبي وانتقال السيادة من المسلمين إلى الغرب المسيحي.

شادت دويلات إيطاليا نهضتها على تراث العرب والمسلمين، وأشعت بلاد أوروبا الأخرى بقبس من المنهج العربي الإسلامي، ولم يأت القرنان السادس والسابع عشر، حتى تكاملت عناصر الاكتفاء المعرفي الأوروبي، فطفق الأوروبيون يرْكُمون معارفهم الحديثة ويبدعون في نقد القديم والبناء عليه، حتى استوت نهضتهم على سوقها مجتمعا وعلما وأدبا وفكرا وسياسة وطفقوا ينهبون العالم ثم يستعمرونه على النحو المعروف.

كانت نشأة الجامعة الأوروبية الحديثة على غرار نشأة المدرسة الإسلامية مع فارق واحد، هو أن الجامعة في أوروبا جزء من صراع نخب البورجوازية والمجتمع المدني ضد الكنيسة وسلطانها على العقول والقلوب، بينما كانت المدرسة الإسلامية تعبيرا عن تفسير الإسلام للكون، توحيدا وعبادة، و تعبيرا عن رؤية المجتمع بكافة فئاته وطوائفه، للاجتماع الإسلامي القائم على استقلال العلم والخطط الدينية عن السلطان المتغلب، وحملها قيم المجتمع ومصالحه وآماله وآلامه.

أصبحت الجامعة الحديثة فضاء لقيم التنوير، بالمفهوم الأوروبي : العقل، الحوار، الحرية...، فأنتجت جدلا فلسفيا وسجالا فكريا ونقاشا معرفيا، وأثرت في مصير الناس وحكامهم.ولم تكن الجامعة الحديثة أبدا، أول ما نشأت، حاضنا للمهن والتقانات والحرف، بل كانت ميدانا خصيبا للتفكير الحر والنقد البناء والبحث الجاد، ولذلك أخرجت أفذاذا يحملون الفكر النقدي الذي بنيت عليه عصور الحداثة.

أما تطوير التقنية والتدريب على المهن والحرف فكان وثيق الصلة بتطور الصناعة وحاجاتها، وبمطالب الحروب ومتطلباتها، ولذلك جاءت أغلب المخترعات تحت ضغط مطالب الصناعة البحتة أو حاجات الجيش في معاركه الكبرى.

واليوم يجري ـ في بلدناـ منذ بعض الوقت، جدل واسع حول ما يسمى حاجات السوق، وسبل تكييف الجامعة مع تلك الحاجات، ويتم أحيانا، في خضم ذلك الجدل، غمز من قناة الآداب والمعارف الاجتماعية وحتى الدينية، تحت وهم تلك "الضرورة" وبدافع آخر مواز لا يكاد يتبين لدقته، هو فشل الدولة الوطنية في مشروعها التحديثي الذي بدأته منذ الاستقلال.

لقد جازف الكيان الوطني، كغيره من نظرائه في عالم الجنوب، بتجنيد كافة الموارد المتاحة لجمع ولاء الناس حول "الدولة الوطنية"، رهبا ورغبا، ملاطفة وعنوة، بالهدايا والهبات للأعيان، وبالغذاء والدواء للمهمشين والفقراء، ثم بشعارات براقة من قبيل التمدرس للجميع، وحتى تحت شعارات في بلدان أخرى : السكن للجميع، والعمل لجميع...فانثال المواطنون أفواجا نحو العاصمة، في ظل اضطراب سنن العيش في ظروف مختلفة، نحو المدن وأطرافها، فقل الزاد على الآكلين، وضاق هامش المناورة على الدولة الوطنية شيئا فشيئا، تبعا لتحولات دولية لا ترحم، من قبيل نهاية القطبية، وتضخم دور هيئات التمويل، وعجز الموارد والمؤسسات المحلية عن الدفع أو كادت.

بدأ مسار جديد معاكس تماما : الدولة الراشدة والكفوءة هي التي تتولى الدفاع والأمن فقط، أما عيش الناس وتعليمهم، فهي زيادات لا يمكن لبلد حديث أن يتحملها، لأننا في عصر السوق : دعه يعمل دعه يمر، .. أو دعه يكدح أو يتردى من حالق، سيان !

نالت الجامعة الوحيدة في موريتانيا قطها من عذاب تلك التغيرات، لكن وقعها عليها كان مؤلما ومعقدا، لأنها المؤسسة الجامعية الوحيدة، ولأنها لم تنشأ كما تنشأ الجامعات في البلدان الحديثة، لا، بل العكس هو الصحيح تماما، لقد ظهرت للوجود تلبية لنداء أمني ـ سياسي قصير النظر والنفس وربما اليد أيضا، لتشغل هؤلاء الخريجين من الثانويات عن طلب المنح صعبة التمويل ولتركمهم في حظائرها كالبهائم، حفظا للسكينة وتفاديا للإزعاج.

لم يكن المجتمع الموريتاني يعرف الجامعة، لا نظاما للتدريس ولا فضاء للبحث والتفكير، ولذلك نظر إليها نظرة غريبة، فيها سخرية مريرة من هياكلها العمرانية البائسة، ورغبة جامحة في حلب الشهائد والألقاب منها.

بالقطع كانت الجامعة الوطنية، منذ البداية، فيها قليل من الجدة والطرافة، وبعض من الألق الخافت، عكسته كلمات متقطعة رسمها قلة من أهل البحث وعشرات من الطلبة المجتهدين، طوحت بهم النوى من عند أهلهم في أطراف البلاد، فلم يجدوا غير جامعتهم حصنا يؤويهم حتى يفيئوا إلى ظلها القالص، ليبْتردوا من حر شمس الجهالة ومبهم السؤالات التي حاروا في الجواب عنها، في عالم يتبدل وحياة تتغير، ومعارف تتفجر، بعيدا منهم، لا يكدون يعرفون عنها شيئا أو يسمعون لها ركزا، إلا قليلا، عبر الأوراق التي يأتي بالتجار والسّفْر بعد طول غياب.

بين 1981 و1992 كانت الجامعة مشلولة من رأسها وأرجلها، لكن دماء كانت تسري في أطرافها النحيلة، فتدب فيها ومضة من حياة، وينتشر عبرها بعض من نشاط : هنيهة تسمع هنا أو هناك جدلا حول الأفكار وأحيانا حوارا في السياسة، فيه ضعف الجامعة ونتاجها وفيه قبس من ذكاء هذا المتحدث أو ذلك، ..

تعاقب على رئاسة الجامعة عدة رؤساء، منهم الساهم الجاثم، الذي لا يكاد يعرف حين يأتي وحين ينصرف، ومنهم الألد الخصيم في كل شيئ، ومنهم أيضا العبوس الجهم المنتقي المنتقر... ، ومنهم من كان بين تلك الأوصاف قواما، لكنه قانع بأن يرتع في الأموال والأعراض كالأنعام لا يخشى بأسا ولا رهقا، ثم جاء عهد الترؤس بالجهد والعرق وأشياء أخرى، لكن زمان التولية لمّا ينقض ليتمهّد الحكم على صاحبه، مع أنه قد يحْكي فترة ما عرف عندنا بــالإنتقالية أو شيئا يذكر بها، وإذا انقضت وأعاد التاريخ نفسه في هذه، فالينج سعد فقد هلك سعيْد !

في عهود ما قبل الانتخاب،عكست الجامعة ضروب التولية والعزل في سياسات البلد : فللجامعة حكمها المدني بهدوئه وعلمنته وأخطائه، ولها انقلابها ورجاله وما صحبهم من الفوضى والتحاسد، وقد عرفت أيضا معاويتها وفساده وطول عهده ومكره وضموره فكرا وخلقا، ومرت أيضا بها فترة شاكلت ما مر في أيامه من بطش ودهاء ومد للأسباب مع المخالفين في الملة والعهد، .. رجال رؤساء وعهودهم وعروشهم التي سفك على مذبحها دم طوفاني من شرف المهنة وكرامة العلم وحقوق المدرسين والطالبين وحتى البوابين.

دل نظر تأليفي في تلك الفصول المؤلمة والمقززة، على حقيقة واحدة لعلها ما تزال شاخصة : أنه لا توجد في هذا البلد إرادة سياسية لبناء تعليم عال، أو حتى سافل. لأسباب كثيرة منها ما عرضنا لبعضه ومنها ما لا يعلمه إلا أهل الحل والعقد من الذين يرون الجامعة مليئة بالطالب والباحث من الناشئة والشباب، غاصة بهم صباحا ومساء، يستمعون لبعض هؤلاء المدرسين المجانين من المحرضين والناقمين والمؤدلجين، فيصاب أولئك وأغلبهم من أصحاب مهنة العيون والآذان بالقشعريرة ويهرعون إلى الضبط والربط والضغط وينصحون بالشيئ وضده ، ثم يخلصون إلى الوصية بترك الجامعة حظيرة مسيجة، الخارج منها موبوء والداخل إليها مجنون. أما أهل الكيد والمكر من أرباب الاستشارة والسلطان، فقد ذهبوا إلى أن الجامعة شر مستطير، لأنها قد تنتج وباء العقل والفهم والنظر... يفتك بالحاكمين في العلن والخفاء، الذين ليس لهم إلا حياة الأنعام وزيادة الوزن والأرقام والعجز عن التفكير والإفهام، ثم معالجة الأسقام في انتظار حكم رب الركن والمقام بالموت الزؤام.

لقد ظلت الجامعة الوطنية، كحالها في بلاد العرب والمسلمين، جزء من القطاع العام، تعرف بعضا من رعاية الدولة، ودعمها، وينالها من يلحق الإدارة العامة من فساد ورشوة ووهن وضعف ورداءة.

ولذلك ظل أغلب التدريسيين هيئة مريضة سواسية كأسنان المشط ليست بينهم فروق إلا في مقدار التردي في مدارك النميمة والفحش والتنكر لقيم العلم وشرف المهنة، أما القلة من الجهلة بسنن الفساد والحالمين بسراب العدل وظل الكفاءة، فهم تحت رحمة الباري، يسمعون أذى كثيرا من أولئك.

واليوم عادت نغمة التسريح والتقنين والّلبْرَلةِ، ولم يعد يخفى على ذي لب أن معارف الاجتماع والإنسان وآداب العرب وشريعة الإسلام، لا مكان لها في دين السوق وحاجاته، التي لا يلبيها ويطّوّف بها غير الصامتين والعاملين من أهل التقانة والطب والحساب والتجارة.

أما الدارسون للحرف والفكر فهم يهدرون "أموال دافعي الضرائب"، وليس لهم حظ في الفهم والعلم، لأنهم إنما يتزيّدون في القول والفهم، يتعَلّمون السباب والشتم ويُعلِّمون نصب الفخاخ لأهليهم وحكّامهم، فالأوْلى بهم أن يتركوا علوما "توجع الدماغ" وتسود الدفاتر بالكلام الفضفاض، و"لا تؤكّل عيشا"، بلغة إخواننا من أهل مصر !

يا أهل الجامعة، أعني طلابها وحراسها وبعضا من أرْباب درْسها، أصيخوا إلي فقد أنبأتكم بما كان وببعض مما قد يكون، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، فقد أضلكم شعار الجامعة، فصعّدوا فيه النظر كرة أخرى، لتعرفوا منْ نقْشه حقائق غابت عن آبائكم وإخوانكم، ولن تدركوها كاملة إلا بعد قرون، لأنها تملأ الشمس والجبل، غير أنها لا ترى ولا تدرك : ومن شدة الظهور الخفاء !

لقد حان وقت الجد، لا مكان لغير الصامت الناطق، العارف بالطبيعة والحياة، والمتنكر للسانه الأم، المتشدق بألسنة بابل و الواق الواق، أما أهل العربية فهم الهامشيون والفاسدون والمتعصبون، وليس لهم إلا معامل المهن الحرة، إن قبلتهم، أو الخروج إلى الطرقات يتكفّفون الناس أو ينكفئون على أنفسهم يلوذون بالظلال أو يبكون حضارة الأطلال أو يصعدون إلى الجبال.

تلك نتف من قصة حزينة وعجيبة، في آن، لأنها جرت وتجري في بلاد بسطت سلطانها بقوتها الناعمة، أيام كانت العيس تخب شرقا، ثم دار الزمان دورته، لتنفق سوق الجهالة وتسري خلال الديار والمنابر وتأخذ بالنواصي والأقدام، لتموت الجامعة وأشباهها من المعاهد والمدارس، حتى لا يعرف أهلنا حقا من باطل ولا باطلا من حق. ولله الأمر من قبل ومن بعد

عودة للصفحة الرئيسية

الصفحة الرئيسية   |   أضفنا إلى مفضلتك   |   من نحن؟    |   اتصل بتا