"محاكمة العشرية" : « مشادات كلامية » بين دفاعي كل من المتهمين والدولة :|: بث إذاعة "بي بي سي" العربية يودع الأثير غدا ! :|: محاكمة "العشرية" : شرعية سجن المتهمين تثيرجدلا كبيرا :|: FMI : سنمنح موريتانيا أكثرمن 86 مليون دولار :|: أسئلة سريعة على هامش مهرجان تيشيت/ الحسين بن محنض :|: نص خطاب الوزيرالأول أمام البرلمان (برنامج الحكومة) :|: الوزيرالأول يقدم حصيلة عمل الحكومة وبرنامجها أمام البرلمان :|: محاكمة "العشرية" : بعض الشهود وصلوا إلى المحكمة :|: بيان جديد من منتدى المستهلك :|: أين تتجه أسعارالغذاء العالمية في2023 ؟ :|:
أخبار
اقتصاد
تحقيقات وتقارير
مقابلات
منوعات
الرأي
مواقع

الأكثر قراءة

الشرطة تعتقل أجانب بعد محاصرة "نقطة ساخنة"
وزارة المالية : رصد بعض التجاوزات في تنفيذ ميزانيات الدولة
أنباء عن عودة بيع لحوم الدجاج ولكن بأسعارغالية
10 صفات تجعلك مكروها من المحيطين بك !
السنتيمترالواحد بـ10 آلاف دولار.. مالقصة ؟
إجراءات جديدة لإحصاء وتحديد موظفي التعليم
تصريحات لوزيرالتهذيب الوطني حول معاملته للمدرسين
تصريحات جديدة مثيرة للرئيس السابق
استحداث خدمة جديدة لتشغيل "الواتساب" بدون أنترنت
صحة : ما أسباب الكلام أثناء النوم ؟
 
 
 
 

كوبنهاجن : هل من وعود جديدة للفقراء؟ / محمد السالك ولد إبراهيم*

lundi 14 décembre 2009


على الرغم من كل آلامه و أوجاعه المختلفة و رغم كثرة السفهاء بين ساكنته، فلا يزال هذا الكوكب الرائع يدور و يدور لكي تحيى كل مخلوقات الله على ظهره الذلول. نعم، لقد بقيت الأرض تدور بالرغم من كثرة ما اقترفته أيادي البشر خاصة من آثام و خطايا و ما تسببت فيه من كوارث لا تحصى. قديما، عندما كان يساق إلى المشنقة، أصر الفلكي المعروف "غاليليو" (1564-1642) على ترديد عبارته الشهيرة أمام جلاديه المنكرين لحقيقة دوران الأرض، قائلا : " نعم.. و لكنها..
تدور حقا بالرغم من كل شيء". أما حديثا، فقد أكد العلم صحة مزاعم ذلك الفلكي الشجاع حول دوران الأرض و ما له من أهمية قصوى لبقاء الحياة. على أية حال، ما من شك في أن العناية الإلهية ما فتئت تحرس كوكبنا الأرضي الذي بات ينوء تحت العبء المروع لسكانه الـ 6 مليار نسمة و الذين سيصل تعدادهم قريبا إلى 9 مليار في حدود عام 2050. و لكن أين هي المشكلة إذن؟ بالطبع، إنها تكمن في ارتفاع درجة حرارة "أمنا الأرض"، التي استمرت تزيد بوتيرة أسرع فأسرع، بحيث لم يعد يوجد وقت كاف يسمح بتكيف الإنسان مع هذا التغير المناخي المتسارع للكوكب الدوار.

و لذلك، بات من الضروري أن نكافح بلا كلل ضد ارتفاع درجة الحرارة غير الطبيعية لكوكبنا- من أجل أن تستمر إمكانية الحياة فوقه - من خلال العمل على تخفيف الآثار الكارثية للتغير المناخي سواء في الوقت الراهن أو في المستقبل المنظور. و هذا بالطبع هو فحوى الرسالة الرسمية لمؤتمر الأمم المتحدة الدولي حول المناخ المنعقد حاليا في "كوبنهاجن" من الـ 7 إلى الـ 18 دجمبر 2009. و طبعا سيكرر الجميع تلك الرسالة التي ستظل وسائل الإعلام تبثها بدون توفق، مثل ما يحدث دائما في مثل هذه المؤتمرات. و لكن، يبقى التحدي الأخلاقي الحقيقي أمام هذا المؤتمر هو معرفة ما إذا كان بنو الإنسان قد قرروا بعد أم لا العمل سويا لكي يستمر كوكب الأرض في الدوران و لو من أجل الأجيال القادمة.. إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

أعتقد جازما بأن الالتزام بقضية البيئة قد أصبح يعني اليوم في المقام الأول نوعا من الانخراط الواعي في مشروع طموح للتحرر الإنساني ولتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية والسلام للجميع سواء في الجنوب أو في الشمال. و لكن لسوء الحظ، فإن أولئك الذين يعيشون على هامش التنمية المستدامة و يدفعون الجزء الأكبر من ضريبة التدهور البيئي هم أساسا سكان دول العالم الثالث الأكثر فقرا. في موريتانيا، كما في عموم إفريقيا و في أماكن أخرى كثيرة على هذا الكوكب، يواجه بنو الإنسان دائما نفس مشكلات التخلف التي تشكل في الحقيقة الوجه الأخر لإشكالية البيئة و التغير المناخي : اختفاء الغابات، نقص مياه الشرب، التلوث بكل أنواعه، سوء التغذية، نقص التغطية الصحية، الخ...

في المقابل، يبقى الهاجس الرئيسي لمؤتمر "كوبنهاجن" هو تطوير آليات عملية للقضاء على انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري و خاصة منها غاز ثاني أكسيد الكاربون (CO2). و لكن، هل سيكفي تحقيق هذا الهدف حتى لو تم ذلك؟ ما مصير سلة المشاكل البيئية الأخرى المرتبطة عضويا بإشكالية التغير المناخي؟ و هذا في الواقع هو أحد الأسباب التي تجعل مؤتمر كوبنهاجن مهما للغاية. إن على "كوبنهاجن" واجبا أخلاقيا لا يمكن للمؤتمرين التنصل منه وهو يقضي بوضع الإنسان أمام مسؤوليته الكونية بخصوص "بصمته" البيئية. و ينبغي أن يتم ذلك بكل جرأة و بدون تردد. فلماذا لم ينجح بروتوكول "كيوتو" وتعديلاته المختلفة في إحداث التأثير المطلوب عالميا؟ و هل من وعود جديدة ستحملها "كوبنهاجن" للفقراء؟

في الحقيقة، من الأفضل أن لا نحلم و لا نتوقع معجزات في "كوبنهاجن "، حيث يشارك نحو 240 بلدا في هذا التجمع العالمي. فلن يطرح على أجندة المناقشات هناك سوى جزء صغير جدا من المشكل الكبير للبيئة. و يتعلق الأمر طبعا بمكافحة انبعاث غاز الكاربون (CO2) و إلى حد ما بعض الغازات الدفيئة الأخرى و ذلك من أجل التصدي – كما يقال- لظاهرة الاحتباس الحراري. و بتالي، فإن شجرة "الكاربون" ستغطي تماما غابة البيئة في مؤتمر "كوبنهاغن".

و بدون مصادرة، فإن ما يبدو في الصورة الآن هو أن كبار الملوثين - مثل الولايات المتحدة التي تحتل الصدارة- يسعون من خلال "كوبنهاجن" إلى استنساخ و تهجين بعض جينات بروتوكول "كيوتو" و تعديلها وراثيا لتتلاءم مع المرحلة القادمة من جولة المفاوضات الدولية حول تفعيل و تمويل آليات الحد من الإنبعاثات. تلك الآليات التي تصر بلدان العالم النامي على تعظيم حصتها منها أولا.. قبل أن تقيد نفسها بأي إلتزامات قانونية قد تكون مجحفة. و لكن اللعبة قد أصبحت مكشوفة للجميع. فالكل يعرف الآن جيدا مدى محدودية و نجاعة "بروتوكول كيوتو" وكذا مدى تهافته من خلال السماح بلعبة بيع و تداول حصص "الكاربون" كبضاعة جد مربحة على مستوى السوق العالمية. في الحقيقة، لقد أدى منطق "كيوتو" إلى ازدهار سمسرة الكاربون قبل عشر سنوات من الآن، فاتحا بذلك الباب واسعا أمام تأصيل ظاهرة الخداع و المناورة في مجال البيئة و قضايا "الإيكولوجيا" الإستراتيجية على المستوى الدولي. فباسم البيئة و تحت شعارها الرنان أنشأ "بروتوكول كيوتو" ما عرف بسوق أعمال جديدة (بيزنيس) فاقت ربحيتها كل تصور، حيث جنى البعض أموالا طائلة من بيع "الكاربون" على حساب جميع سكان الأرض، و خاصة منهم الفقراء. و بطبيعة الحال، لم يكن لأحد أن يتوقع من ذلك "البيزنيس البيئي" رجوع أي أثر إيجابي يعود على أوضاع الفقراء في هذا الكوكب.

وهكذا فإن مؤتمر "كوبنهاجن" لن يتكلم إلا عن مكافحة "الكاربون" (CO2) فقط،. إنه مجرد غيض من فيض ! فعند ذروة تزاحم الأجندات و المصالح الدولية، غالبا ما ينسى العالم أن المشاكل الخطيرة التي تواجهها البشرية اليوم قد بقيت دوما هي نفسها : اختفاء الغابات، استنزاف الموارد الطبيعية، هدر الطاقة، نقص المياه الصالحة للشرب، مخاطر الأمراض الجديدة (H1N1 ، الخ...). و كل هذا بالطبع إنما يمثل الوجه الآخر لظاهرة أكبر يعاني منها كوكبنا إسمها الإحتباس الحراري !
ومع ذلك، فإن مؤتمر كوبنهاجن لن يتحدث لنا عن أحوال اللاجئين "الاقتصاديين" و "المهاجرين السريين"، الذين يحسبون اليوم بالملايين عبر العالم، في وقت تحذر فيه بعض وسائل الإعلام من مشكلة اللاجئين بسبب تغير المناخ. و هي ربما تكون محقة في ذلك، فنحن سنكون بحاجة إلى التنبؤ بمعطيات عن تشريد كامل لبعض سكان مناطق العالم المهددة بآثار التغير المناخي قبل غيرها و كذا توقع الصعوبات المختلفة التي سوف تترتب على ذلك، و كذا المشاكل السياسية التي ستنجم عنه. كما أن "كوبنهاجن" لن يتحدث لنا كذلك عن مصير أكثر من مليار شخص يموتون من الجوع كل عام.

و في وقت متأخر من إحدى ليالي "كوبنهاجن" الباردة، سيسدل الستار على المؤتمر العالمي حول التغير المناخي ككل مؤتمر. وعلى الرغم من كل النيات الحسنة.. و على الرغم من كل المناقشات و المداولات.. وعلى الرغم من كل التدابير التي سيوصى باتخاذها المؤتمر، فإن نسبة "الكاربون" (CO2) ستستمر في الزيادة مرة أخرى. ربما أقل من ذي قبل، و لكنها ستبقى دوما ترتفع إذا لم نتعامل بجدية مع الجوانب الأخرى الأساسية للمشكل البيئي مثل النمو الديمغرافي و اختفاء الغابات و تلوث الهواء و الماء و التربة والبحار، إلخ... كجزء لا يتجزأ من ظاهرة الاحتباس الحراري.

لقد أصبح من الواضح جليا اليوم، أنه إذا لم تعالج تلك الظواهر البيئية المترابطة بنيويا، فسوف يكون من الصعب بشكل متزايد على الإنسان أن يعيش على هذا الكوكب. فهل علينا أن نكرر طرح نفس التساؤلات الوجودية و الإيكولوجية القائمة : فماذا يمكن أن نفعل مثلا حتى لو نجحنا بأعجوبة في تخفيض درجة حرارة الأرض إلى 2 درجة مئوية إذا لم يعد بإمكاننا مطلقا أن نعيش بشكل صحيح على هذا الكوكب؟ و ما الذي تبقى لدينا الآن من تراث كوكبنا الدوار الأرض؟ فقط، أراضي زراعية عطشى و فقيرة، قيعان البحار و المحيطات أصبحت ملوثة و شبه فارغة من الأسماك، نسبة المعادن في الأرض أخفضت إلى الحد الأدنى و بعضها قد أوشك على النفاد، صعوبة متزايدة في الحصول على المياه العذبة التي أضحت ملوثة بشكل متزايد وأكثر ملوحة، هذا بينما تعج أجواء الأرض بكل أنواع الملوثات الصناعية و غيرها.

و من أجل ذلك، يتوجب على "كوبنهاجن" أن تحدثنا عن هذه الحقائق البيئية التي هي واقعنا اليومي و هي في جوهرها أساس و مكمن التدهور البيئي الذي يعاني منه عالمنا اليوم سواء في الجنوب الفقير أو في الشمال الغني. فهناك إذن أربعة حقائق بيئية كبرى يجب أن يذكر بها المجتمعون في"كوبنهاجن" و يطالبون باتخاذ قرارات جدية بشأنها. إنها بعبارة أخرى الشروط القبلية لبقاء و استمرار حياة الإنسان على ظهر الأرض سواء كان في الشمال أو في الجنوب. و تتمثل تلك المطالب "البيئية" الملحة في ضرورة العمل على توفير هواء نقي للتنفس و مياه نظيفة صالحة للشرب و تربة سليمة لتأمين الزراعة و الغذاء و تطوير أساليب مناسبة للحصول على طاقة نظيفة للتدفئة. باختصار، إن ما تتطلبه التنمية المستدامة لكوكب الأرض و الحفاظ على بيئته هو حزمة تدابير واحدة و موحدة، و ينبغي أن تتجه نحو وضع تصوراتها و تعبئة مواردها و تجسيدها على أرض الواقع كل الجهود و الطاقات البشرية معا في الشمال و الجنوب.

* باحث و خبير استشاري من موريتانيا. medsaleck@gmail.com

عودة للصفحة الرئيسية

الصفحة الرئيسية   |   أضفنا إلى مفضلتك   |   من نحن؟    |   اتصل بتا