حزب التكتل يقررالمشاركة في الانتخابات :|: مجلسان للوزراء والسيادة في يوم واحد * :|: بنين : تعطل طائرة"الموريتانية للطيران" بالمطار ..مالسبب؟ :|: الاعلان عن مسابقة تكوين بالمدارس العسكرية الفرنسية :|: "أورا أنرجي" توقع اتفاق استغلال اليورانيوم بتيرس :|: وزارة التهذيب تعلن عن مسابقة لاكتتاب 1000 أستاذ :|: منتدى يناقش مسألة ملكية الأرض بموريتانيا :|: اتفاق موريتاني مغربي في مجال بحوث الصيد :|: تطبيق "واتساب" يضيف خدمة جديدة :|: قمة دكارتدعوالمستثمرين لحشد التمويلات للبنيات التحتية في إفريقيا :|:
أخبار
اقتصاد
تحقيقات وتقارير
مقابلات
منوعات
الرأي
مواقع

الأكثر قراءة

وزارة المالية : رصد بعض التجاوزات في تنفيذ ميزانيات الدولة
قصة أكبرخروج جماعي لرجال الأعمال إلى الخارج
10 صفات تجعلك مكروها من المحيطين بك !
إجراءات جديدة لإحصاء وتحديد موظفي التعليم
حديث عن دورة برلمانية طارئة وتعديل وزاري وشيك
تصريحات جديدة مثيرة للرئيس السابق
صحة : ما أسباب الكلام أثناء النوم ؟
استحداث خدمة جديدة لتشغيل "الواتساب" بدون أنترنت
أضواء على أبرزملفات الفساد بموريتانيا منذ الاستقلال
طلب وجبة من مطعم... فحصل على مفاجأة سارة !!
 
 
 
 

يوم في سفارة رواندا/ المصطفى ولد البو

mercredi 28 décembre 2022


وصلتني ذات مساء من شتاء بكين القارس كعادته، رسالة على الويشات تتضمن دعوة لحضور نشاط في سفارة رواندا في الصين، وصلت العنوان فاستقبلني شباب شديدو بياض الثياب، يحملون ورودا ويوزعون ابتسامات متحورة من حزن باد في عيونهم، رافقني أحدهم إلى قاعة مفتوحة حيث تعرفت على بعض الأصدقاء في هذا النشاط الذي لم يتضح بعد إن كان حفلا أو تشييعا، ومما رجح كفة الانطباع الأخيرهوغياب أي مظهر من مظاهر الفرح وسط تشغيل موسيقى بطيئة وحزينة تشبه إلى حد كبيرسردا لمآس على أنغام ناي موريتاني.

أحد المشرفين يأمرأحد الشباب أن أوقف تشغيل الموسيقى، دخل رجل خمسيني أنيق، بدأ البعض يهمس…. نعم إنه السفير يبدوأن لديه ما يقوله، لنستمع..

السفيربلغة إنجليزية هادئة….

في البداية، أود أن أشكركم على تلبية الدعوة في هذا الجو القارس، نحن نقدرلكم فعلا هذا ونعتذرعن أي سوء فهم أو تقصير قد يكون حدث أثناء التحضيرلهذه المناسبة، النشاط عاطفي وإنساني وكان من المهم أن تشاركونا فيه..!

يبدو أنني فهمت طبيعة النشاط، وما غيره، للأسف، لقد تحول إلى أحد معالم البلد والتصق به أيما التصاق، تفضلوا للداخل أشارأحد شباب السفارة وهو طالب يدرس في جامعة الشعب في بكين، دخلنا فأخذنا مقاعدنا فجلسنا، وقفت سيدة تبدو متقدمة في السن وقالت باكية بلغتها الأم وترجم لها أحد الشباب : أنا ناجية، لكني لا أحمل في قلبي حقدا على أحد، وأسامح لكني لن أنسى أبدا، بعدها صفق الحاضرون لها، آه قلتُ في نفسي… يبدو أنها بطلة الفيلم الذي يستعدون لعرضه، وماهي إلا دقائق حتى اكتشفتُ أنها لم تكن البطلة الوحيدة في الفيلم، لقد كان الأبطال بالملايين، قتلى ومفقودين ومشردين ومعاقين وكان البكاء والصراخ وصورالأشلاء والأوصال تغطي شاشة العرض….

انتهى عرض الفيلم، لم أسمع تصفيقا وهذا هو المنطقي، ولم يكسرالصمت الذي ساد بعده سوى أنات نسوة يجلسن في الخلف، عندها سألت نفسي.. هل يعني أن من تأثروا بما عُرض من القومية التي يعتبرها التاريخ ضحية في هذا النزاع الدامي أم أن الدموع والدماء قد اختلطت فعلا ولم يعد يمكن التمييز بين الجلاد والضحية وأن الكل مقتنع أنه لا رابح في هذه الحرب المشؤومة….

انتابني الفضول، لدي خلفية إخبارية لكنها لا تكفي ولا تعكس الجانب الإنساني للأزمة بشكل كاف… نعم ريتشارد صديقي العزيزواقف هناك، لكن المشكلة أني أصلا لا أرتاح لسؤال الشخص عن قبيلته، لكن يجب علي ذلك، أريد أن أفهم، طفقتُ أنظرإليه، يبدو مرتاحا يوزع ابتسامات خفيفة، هل يكون من الهوتو، عندها سيكون ساديا إن كان مرتاحا في هذا النشاط !

يبدوأنه من الهوتو، ولا يهمني سأسأله… ريتشارد… هذه مناسبة حزينة، لا أتمنى أن يمرأي بلد أو شعب بها، وما يعجبني فيكم (على اعتبارأنه هوتو) أنكم أقبلتم على طلب المغفرة وتخلصتم من عقدة الذنب، وتحليتم بالشجاعة لتخطي كلما حدث !

سكت رتشارد قليلا وقال : صديقي من المستحيل تخطي ما حدث أو نسيانه، الفظائع التي ارتكبت في حقنا عصية على النسيان….(يبدو أنه توتسي…واصل قائلا)…لقد فقدت الكثيرمن أفراد أسرتي ومع أني أعرف أنك مطلع إلا أن هناك جوانب لم يستطع الإعلام نقلها لكم وهذا النشاط هدفه الأساسي هو التعاطف مع الضحايا والتحذيرمن خطورة التحريض والإر*هاب العرقي ولتعي أجيالنا القادمة أن إشعال الفتيل كاف لحرق الأخضرواليابس، لقد نزحت مع من بقي من أفراد أسرتي إلى أوغندا، واليوم عدت إلى بلدي أعيش بسلام فيه لكن رائحة الدم وأصداء حكايات جدتي المرعبة لا تفارق أذني،…

لماذا فتحتُ معه الموضوع، لماذا لم أتركه وشأنه، ربما كان في طريق التعافي من هذه الذكريات المؤلمة، غيرت الموضوع بسرعة وانسحبت عنه لأتفحص وجوه الحضور، جنسيات أوروبية يتبادلون النخب، وكأنهم في حفلة تنكرية، وجنسيات عربية أو خليجية بشكل أدق يتهامسون فيما بينهم حول رسائل على جوالاتهم وجنسيات شرق آسيوية يواسون بعض الضحايا الذي استقدمتهم السفارة لحضورالذكرى المأساوية.

نعم إنه السفير اللبق مرة أخرى : لا شك أنكم تأثرتم بما رأيتموه، هي مناسبة حزينة لكن الجميل فيها هو هذا الترابط الإنساني الذي شعرنا به بين هذا الحضور المحترم والذي ذابت فيه كل الخلافات والفروق وخرج منه معدن الإنسان الحقيقي، أعلم أن من بينكم صحفيين.. وأردت أن أضيف في هذا الصدد، أن كلمة عبر الأثيرهي ما أشعلت الفتيل الذي جاء على الأخضر واليابس ونحن في طريقنا إلى ترميم الأضرارالجسدية والنفسية، قمنا أيضا بوضع ميثاق شرف لهذه المهنة النبيلة، قائم على احترام الإنسان أولا….

صفق الحضور هذه المرة للسفير، الذي قاطع التصفيق داعيا إلى أن تحدثوا مع بعضكم أو ليتحدث كل منكم مع من إلى جانبه، يبدو أنه جزء أو طقس من طقوس المناسبة، التفتُ فإذا بعجوزسأعرف أنه إيرلندي يرفض أن ينسب إلى بريطانيا، قال لي بنبرة بيضاء… من أين أنت.. أجبت… قال.. آه أوكى.. يبدو أنه مستعجل لبدء نقاش سريع، أضاف… لم أكن أعلم أن الحفل عبارة عن تشييع لضحايا سقطوا منذ أكثر من عقدين من الزمن،… قلتُ هو إحياء لذكرى وجرت العادة أن تكون سنوية وبالنسبة لقارتنا أغلب الذكريات حزينة للأسف،… نظر إلي وكأنه سيقول لي… هل تحملنا المسؤولية عن حزنكم لكنه لم يفعل واكتفى بالقول إنه لا يحب حضورهذه النوعية من المناسبات !

لفت انتباهي بعدها معرض للصورمنظم على هامش النشاط، لم أستطع إكمال تفحص صوره، واخترت مشاهدة مقاطع تظهر ضحايا وجلاديهم وهم يعيشون في سلام ويتبادلون الأحضان والنكات ويتحدثون بشكل دقيق عما حدث في تلك الليلة أوفي ذلك اليوم….

اكتفيت بعدها، وكان همي الشاغل هو البحث عن مخرج من هذا الكابوس، ليس مجازا، أعني أني أردت الخروج من السفارة حرفيا وهو ما تم لي بعد طواف داخلي بها حتى رأيت الشباب أصحاب الملابس البيضاء وهم يودعون ضيوفا سبقوني للبوابة بنفس الطريقة التي استقبلوني بها.

أسأل الله ألا يعيد هذه المأساة في أي بلد، وأن تنعم رواندا بالسلام والطمأنينة دائما وأبدا.

* الصورة من سفارة رواندا في بكين، لحظات قليلة بعد انتهاء عرض فيلم مأساوي عن المجازر

عودة للصفحة الرئيسية

الصفحة الرئيسية   |   أضفنا إلى مفضلتك   |   من نحن؟    |   اتصل بتا