مشاركة متوقعة للرئيس في الدورة 74 للامم المتحدة :|: وزير التعليم الأساسي يزورمدارس قيد البناء :|: ضرورة تطوير الإعلام / سيدي عيلال :|: بعد ارتفاع النفط.. الذهب يقفز 1 بالمئة :|: تعطل بعض الرحلات بالمطار بسبب الاضراب :|: الوزيرالأول يلقي بعثة من البنك الافريقي :|: "كينروس" تعلن عن زيادة في انتاجها بموريتانيا :|: تعاون بين موريتانيا والامارات في مجال صناعة السفن :|: كشكول الحياة / أيها المغترب! / محمد ولد إمام :|: لقاء بين وزيرالصحة وممثل funap :|:
أخبار
اقتصاد
تحقيقات وتقارير
مقابلات
منوعات
الرأي
مواقع

الأكثر قراءة

من هي شريفة مكة التي توفيت اليوم؟
عهد ولى وآخر تولى/ الولي سيدي هيبه
من معجزات الخلق ...عجائب دماغ الإنسان الثمانية
الحقيبة الوزارية بين مِعياريْ الكفاءة والملاءمة *
كيف نستفيد من تكنلوجيا الاتصالات ؟
اعْدَادُ الهَياكِل الوزَارِيّةِ..تَقَالِيدٌ و توْصِياتٌ / المختار ولد داهى
حكومة الرئيس والبرلمان / د.يعقوب ولد السيف
خطوات عملية لإصلاح التعليم / محم ولد الطيب
ماهو سيناريو كوكب الأرض الأسود؟
السلام الداخلي / محمد ولد إمام
 
 
 
 

من معجزات الخلق ...عجائب دماغ الإنسان الثمانية

الثلاثاء 27 آب (أغسطس) 2019


لطالما مثّل الدماغ البشري سرا حيّر العلماء طويلا، إذ يتميز هذا الجزء من الجسم الذي يقع داخل جمجمة محصنة بقدرات هائلة تُمكّنه من القيام بأعمال حسابية فذة، ومن الإبداع والفهم بطرق لم يسبق لها مثيل في الكون المعروف، وكل ذلك باستخدام قدر من الطاقة يكفي لتوهج مصباح كهربائي بقدرة 20 واطا.

تمكّن الإنسان من تحقيق طفرات كبيرة في فهم الدماغ البشري. ففي السنوات الأخيرة، اكتشفنا أن خلايا الدماغ يمكن أن تتجدد وحددنا ما يحدث في الدماغ عند البدء في الحديث قبل معرفة ما نريد قوله. ومع ذلك، كلما تعلمنا أكثر، أدركنا أن ثمة الكثير مما لا نعرفه. في هذه السطور سنحاول أن نستطلع معا أكبر الأسئلة المحيرة حول الدماغ للكشف عن آليات وأسرار هذه الكتلة العجيبة دقيقة الصنع.

ما الذي يجعل أدمغتنا مميزة؟

يتسم الدماغ البشري، كما نحب أن ندّعي، بقدرات هائلة. فالحيوانات الأخرى يُمكنها أن تستخدم الأدوات أو أن تخرج من المتاهات، ولكن هل يمكنها أن تخترع أجهزة الحواسيب أو أن تكتب القصائد الشعرية مثلما يفعل البشر؟ إلا أنه على الرغم من براعتنا العقلية الاستثنائية، فليس من السهل تفسير ما يجعل الدماغ البشري مميزا لهذه الدرجة. إذ يصل وزن دماغ الإنسان إلى نحو 1.5 كجم، أيّ ما يعادل نحو ثُلث وزن دماغ الفيل وخُمس وزن دماغ حوت العنبر.

ومع ذلك، إذا أخذنا حجم الجسم في الاعتبار، فإن أدمغتنا كبيرة بشكل غير عادي، إذ يتجاوز حجم الدماغ البشري ما بين سبعة وثمانية أضعاف ما يمكن توقعه للثدييات في حجمنا نفسه. ولكن هذا القياس البدائي لا يكفي لتفسير ذكائنا. فعلى سبيل المثال، نسبة حجم الدماغ إلى الجسم القرد الكبوشي أعلى من الغوريلا، ومع ذلك تعتبر الغوريلا أكثر ذكاء.

من الواضح أن الحجم ليس كل شيء إذن، بل قد يكون المقياس الأكثر أهمية هو عدد الخلايا العصبيّة، وهي وحدات المعالجة في الدماغ. فقد ذكرت أخصائية الأعصاب البرازيلية، سوزانا هيركولانو-هوزيل من جامعة فاندربيلت، بولاية تينيسي الأميركية، التي استحدثت طرقا جديدة لحساب عدد الخلايا العصبيّة، أن لدى البشر نحو 86 مليار خلية عصبيّة.

في الواقع، تحتوي أدمغة الرئيسيات على عدد كبير من الخلايا العصبيّة يفوق عددها في أدمغة الثدييات الأخرى ذات الحجم المماثل. وبما أن البشر لديهم أكبر حجم للدماغ بين جميع الرئيسيات، فإن لديهم أيضا أكبر عدد من الخلايا العصبية، وربما بين الحيوانات الأخرى كافة. ومن المحتمل أن ذلك تحقق من خلال اختراع الطبخ، الذي يطلق المزيد من السعرات الحرارية من الطعام لتغذية هذا العضو الذي يعتبر أكثر الأعضاء استهلاكا للطاقة في جسم الإنسان.

على الرغم من ذلك، قد لا يكون عدد الخلايا العصبيّة فقط هو العامل الأهم، بل أيضا أماكن وجودها. تشير هيركولانو-هوزيل إلى أن قدراتنا الرائعة تنبثق على الأرجح من وجود عدد كبير من الخلايا العصبيّة في القشرة الدماغية -وهي الطبقة السطحية من المخ التي تتكون من الأخاديد والتلافيف التي تساعد على زيادة مساحة القشرة بشكل كبير- أكثر من الحيوانات الأخرى. يتيح لنا هذا البناء الهيكلي تطوير سلوكيات أكثر تعقيدا بدلا من مجرد الاستجابة للمحفزات. لذا تقول هيركولانو-هوزيل: "إذا كان لديك قشرة دماغية، فأنت لم تعد عبدا لما يحدث من حولك. إذ تتمتع بمرونة تُمكّنك من اختيار فعل أشياء أخرى".

علاوة على ذلك، اكتشف فريقها مؤخرا أنه على مستوى جميع الحيوانات ذوات الدم الحار، يرتبط عدد الخلايا العصبيّة في القشرة الدماغية بطول العمر. كما تعتقد هيركولانو-هوزيل أن ذلك أيضا يُمثّل عاملا رئيسيا في تفوقنا المعرفي، فالبشر يستغرقون سنوات للوصول إلى مرحلة النضج. وتفسر ذلك بأن "الإنسان يستغرق وقتا طويلا للغاية لبناء الدماغ، وأثناء ذلك الوقت، يقوم باكتساب واستيعاب المعلومات من العالم حوله". قد لا يعزو ذلك فقط إلى الخلايا العصبيّة وحدها، يوجد أيضا نوع آخر من الخلايا يُسمى الخلايا النَجمِيَة تضطلع بدور مهم في تطور الذكاء البشري. لكن القدرة الحاسوبية الهائلة التي تقدمها الخلايا العصبيّة الموجودة في القشرة الدماغية والتي يصل عددها إلى 16 مليار خلية من المحتمل أن تكون العامل الذي يساهم بشكل حاسم في هيمنتنا المعرفية.

ما الوعي؟
يُمكن تصور العقل الواعي على أنه موقد. لذا عندما يكون الإنسان غارقا في النوم بعمق، يتراجع لهب الوعي إلى مستوى منخفض ولكن ثابت. بينما في مرحلة نوم حركة العين السريعة، وبالنظر إلى أن الأحلام تحدث في هذه المرحلة تحديدا، تتصاعد حدة اللهب ويشتعل بسطوع لكن بشكل غير منتظم. أما في حالة الغيبوبة، يبدو اللهب وكأنه جذوة متوهّجة.

بعبارة أخرى، يوجد الوعي في عدد من الحالات. أحد التفسيرات لذلك هو أن الوعي الكامل يظهر عندما تبث العديد من أجزاء الدماغ المعلومات إلى شبكة من الخلايا العصبيّة تُعرف باسم "منطقة العمل الشاملة". عندما لا يحدث هذا البث، يظل الإحساس في حالة اللا وعي. وفي حالة عدم اكتمال هذا البث، تشعر بمستويات مختلفة من الوعي، مثلما يحدث عندما تحلم أو تتلقى ضربة في الرأس.

عبر دراسة هذه الحالات، ينبغي أن نكون قادرين في يوم من الأيام على تحديد آليات عمل الدماغ التي ينشأ عنها الوعي. لماذا إذن تُوصف محاولات تفسير الوعي بـ "المعضلة الصعبة"؟، إذ كيف يُمكن لمجموعة من الخلايا العصبيّة يصل وزنها إلى 1 كجم أو نحو ذلك أن تقوم باستحضار سلسلة من الأفكار والمشاعر التي تُشكّل تجربتنا العقلية؟ أحد هذه الأسباب هو تركيز الفلاسفة على تفسير كيفية إدراك التجارب. يصف مصطلح "الكيفيات المحسوسة" الذي صاغه الفلاسفة خواص التجارب التي نتعرض لها، الحالة التي يُنظر فيها إلى صفات الأشياء من منظور ذاتي في حالة الوعي، مثل اللون الأحمر الذي تتميز به الفراولة أو الشعور بطعم النبيذ. بيد أن محاولة التوصل إلى تفسيرات للكيفيات المحسوسة تسبب حيرة لا نهاية لها بين علماء الأعصاب.

أحد الحلول لهذه المعضلة هو ببساطة تجاهلها. تقول أستاذة الفلسفة في جامعة كاليفورنيا بمدينة سان دييغو، باتريسيا تشيرتشلاند، إن "مصطلح "الكيفيات المحسوسة" هو مصطلح فني قدمه الفلاسفة الذين يريدون جعل التساؤلات حول طبيعة الوعي خاضعة فقط للتفسيرات الغامضة التي لا تستند إلى أدلة بيولوجية". ففي نهاية المطاف، نحن لا نتحدث عادة عن كيفياتنا المحسوسة، بل نتحدث عن أشياء مثل شعورنا بالتعب، والحاجة إلى تناول الطعام أو حتى الوقوع في الحب، وجميعها مشاعر لها أصل بيولوجي مباشر وليست غامضة.

الدماغ لا يقدم إلى وعينا سوى الأمور التي تشغل حيزا كبيرا من اهتمامنا، ويفعل ذلك بطريقة يمكننا فهمها

مواقع التواصل

أوضح الفيلسوف دانيال دينيت من جامعة تافاتس، ماساتشوستس، أن معظم الناس قد لا يدركون كيفياتهم المحسوسة إلى أن يدفعهم الفلاسفة للتفكير في ذلك. والأدهى من ذلك أن دينيت لا يعتقد أنه لا توجد معضلة صعبة فحسب، بل يعتقد أن الوعي نفسه هو نوع من الوهم. وقد فسر ذلك بقوله: "يتطلب الأمر بعض الإقناع الموضوعي والمداهنة لجعل الناس "يلاحظون" كيفياتهم المحسوسة، وعندما يؤمنون أنهم لاحظوا ذلك بالفعل، يقعون في وهم آخر".

يتمثّل ذلك الوهم، وفقا لما ذكره دينيت، في أن كل واحد منا يعتقد أنه يتمتع بامتياز خاص يُمكّنه من الوصول إلى بعض الخصائص الرائعة من حالاتنا العقلية، التي نظن أننا على دراية وثيقة بها ونعتبرها بمنزلة خبرات مكتسبة. لكن الدماغ لا يقدم إلى وعينا سوى الأمور التي تشغل حيزا كبيرا من اهتمامنا، ويفعل ذلك بطريقة يمكننا فهمها. على سبيل المثال، هذا هو السبب الذي يُعزى إليه رؤيتنا للأشياء بألوان معينة. ففي حين أن العالم الحقيقي قد لا يبدو بهذه الطريقة، يُخصص نظامنا البصري بفاعلية رمزا لونيا للعالم من حولنا، من أجل تبسيطه.

أوهام العقل
يدعي دينيت أنه بقدر ما يُمكن اعتبار اللون مجرد وهم أوجده الدماغ للتأقلم مع العالم، كذلك يُمكن اعتبار الوعي. وفسر ذلك بأن "الوعي هو وسيلة لـ "وهم المستخدم" نشأ نتيجة التطور لتسهيل حياة الدماغ الذي يجب أن يقود الجسم خلال حياة محفوفة بالمخاطر".

يطلق مصممو الهواتف الذكية على شاشة الهاتف مصطلح "وهم أو خداع المستخدم". إذ تعتبر الشاشة واجهة الحاسب الموجود أسفلها، ولكن الأيقونات التي تظهر عليها، مثل أيقونة الظرف التي ترمز إلى تطبيق الرسائل، هي دلائل رمزية، لا تربطها أي علاقة بالمكونات المادية والبرمجيات الفعلية المسؤولة عن عمل نظام الرسائل في الهاتف. إذا تصورنا أن أدمغتنا مثل الهواتف الذكية، فإن الوعي يُمثّل الشاشة، التي تعمل بمنزلة الواجهة لأدمغتنا.

بيد أن تلك الاستعارة ليست دقيقة حسبما تقول تشيرتشلاند. فعلى سبيل المثال، عندما نشعر بالدوار أو نحدد من أين يأتي صوت ما، فإن ذلك يحدث نتيجة لعمليات مادية تحدث في الدماغ. لعل الوعي أشبه بشاشة الهاتف الذكي التي تعرض تطبيقات مختلفة وفقا لمقدار الطاقة المتبقية في البطارية أو مقدار اهتزاز الهاتف. بعبارة أخرى، يُمكن القول إن الوعي هو وهم جزئي، يُمثّل صورة يجمع الدماغ أجزاءها معا كنتيجة لجميع المدخلات التي يتلقاها واكتمال بث المعلومات من أجزاء الدماغ إلى شبكة الخلايا العصبيّة.

هل أدمغة الأذكياء مختلفة؟

الجواب المختصر عن هذا التساؤل هو نعم. يتفاوت الناس في ذكائهم، ولذا كيف يمكننا تفسير هذا الاختلاف إن لم نعزُه للاختلافات في بنية أو وظيفة الدماغ؟ غير أن هذه الاختلافات تحديدا هي محل بحث متعمق. أول ما يمكن ملاحظته هو أن الأشخاص ذوي الأدمغة الكبيرة غالبا ما يكون لديهم بالفعل معدل ذكاء أعلى، ولكن ثمة المزيد من العوامل التي تتحكم في ذلك أكثر من مجرد الحجم. لمعرفة المزيد حول هذا الأمر، نحن بحاجة إلى تدقيق النظر في المادة البيضاء والمادة الرمادية التي تُشكّل دماغنا. ت

تكون المادة الرمادية من الأجسام الرئيسية للخلايا العصبيّة، في حين تتكون المادة البيضاء بشكل أساسي من المحاور العصبيّة التي تنقل الإشارات الكهربائية. اكتشف روجير كييفيت وزملاؤه من وحدة الإدراك وعلوم الدماغ التابعة لمجلس البحوث الطبية في كامبريدج، المملكة المتحدة، أن حجم المادة الرمادية في الفص الجبهي مرتبط بالذكاء المائع، وهو القدرة على التفكير المنطقي وحل المشكلات الجديدة دون معرفة سابقة، عن طريق التعرف على الأنماط والعلاقات واستخدام الاستنباط لحل المشكلات. ووجدوا أيضا أن ذلك مرتبط بمقدار روابط المادة البيضاء الموجودة بين نصفي الجزء الجبهي من الدماغ.

بيد أن الأمر لا يعتمد فقط على كمية الأنسجة. فواحدة من السمات الأكثر إثارة للدهشة التي تتميز بها أدمغة الثدييات هي وجود الأخاديد والتلافيف العميقة من المادة الرمادية على سطحها، مما يعطيها مظهرا يشبه حبات الجوز. بالإضافة إلى أنها تساعد على زيادة مساحة سطحها بشكل كبير، مما يقرب الخلايا من بعضها البعض ويسمح لها بالتواصل بشكل أسرع. ومن المؤكد أن مقدار تلك الأخاديد يرتبط بسرعة التفكير والذاكرة العاملة، فالأشخاص الأكثر ذكاء تتسم أدمغتهم بالمزيد من التلافيف.

ليس من السهل إيجاد المركز المسؤول عن الذكاء، الذي يعتبر أغنى سمة بشرية موجودة في الدماغ، الذي يُعد بدوره أعقد الأشياء المعروفة في الكون وأكثرها غموضا

مواقع التواصل

ومع ذلك، ما زلنا لا نعرف أين يقبع الذكاء في الدماغ. لاستكشاف ذلك، يمكننا الاعتماد على واحدة من أشهر الأفكار حول موقع الذكاء، وهي نظرية تُعرف باسم "نظرية التكامل الصدغي الجبهي". تقترح هذه النظرية أن الأساس البيولوجي للذكاء هو شبكة تربط بين مناطق الدماغ النشطة المختلفة. يمكننا العثور على أدلة على هذه المناطق النشطة في الدراسات القائمة على تصوير الدماغ. فقد تمكّنت الباحثة أولريكي باستن وزملاؤها في جامعة غوته في فرانكفورت، في ألمانيا، من تحديد شبكة تصل ما بين 20 منطقة مختلفة في المناطق الجبهية والصدغية التي ترتبط بالذكاء، وذلك من خلال دراسة الكيفية التي تنشط بها أجزاء من الدماغ أثناء تأدية المهام المعرفية. وقد توصلوا إلى أن كثافة المادة الرمادية أو قوة النشاط العصبي في هذه المناطق ينمّ عن معدل ذكاء مرتفع.

يبدو أننا أوشكنا على الوصول إلى نتيجة، ولكن هذه الأدلة لا تعني أن الأشخاص الأكثر ذكاء لديهم أدمغة مختلفة من الناحية التشريحية فقط، بل يبدو أن لديهم أدمغة تعمل بكفاءة أكبر أيضا. يفسر إميليانو سانتارنيكي من مدرسة طب هارفارد ذلك قائلا: "حتى لو اتسم الدماغ بهيكل خارجي مناسب لتحقيق مستويات أداء عالية، لن يكون للأمر أهمية دون وجود جهاز حاسوب داخلي لتنظيم طرق توفير الطاقة، ومتى تُخصص الموارد في كل لحظة". تشير دراسة سانتارنيكي إلى أن التحفيز المغناطيسي قد يزيد من كفاءة معالجة الدماغ، ويؤكد أيضا أهمية المرونة، أو القدرة على التغيير. ربما يمتلك بعض الناس أدمغة أكثر مرونة بطبيعتها وأقدر على التعلم.

هذا ناهيك بالجانب الوراثي. فعلى الرغم من أننا نعرف أن مئات الجينات تساهم في الذكاء، فقد يستغرق الأمر وقتا طويلا لاكتشاف الفروق الدقيقة في تأثيرها. ولكن حتى حينها لن يكون من السهل إيجاد المركز المسؤول عن الذكاء، الذي يعتبر أغنى سمة بشرية موجودة في الدماغ، الذي يُعد بدوره أعقد الأشياء المعروفة في الكون وأكثرها غموضا.

ماذا يحدث عندما نفكر؟

فكّر في عملية التفكير، ولن يمر الكثير من الوقت حتى يصاب عقلك بحالة من الارتباك. تأتينا الأفكار عادة بشكل طبيعي، لكن تحديد ماهية تلك الأفكار بالضبط عملية أكثر تعقيدا. في السابق عُدّت الأفكار كيانات غير مادية منفصلة عن المادة البيولوجية للدماغ. أما الآن، نعرف أن جميع أفكارنا، سواء كانت بسيطة أو أفكارا مجردة، هي نتيجة إشارات كهربائية تسير في شبكة الدماغ التي تتكون من 86 مليار خلية عصبيّة. حاول الباحث إيثان سولومون من جامعة بنسلفانيا تبسيط مفهوم التفكير بقوله: "ما تُمثّله عملية التفكير بالنسبة لي أنها ببساطة عملية تحويل المدخلات إلى نتائج بواسطة الدماغ".

ولكن إذا سألت مئة عالم أعصاب عن تعريف عملية التفكير، فستحصل على مئة إجابة مختلفة، كما تقول الباحثة أفجستس شستيج من جامعة كاليفورنيا في بيركلي. إذ تعتقد أن "التفكير مصطلح شامل يندرج تحته العديد من العمليات المعرفية المختلفة". فبعض الأفكار تأخذ شكل الصور، وبعضها الآخر تتكوّن من الكلمات، والكثير منها يولد في مستوى اللا وعي، دون حتى أن ندرك ذلك.

أتاحت لنا أحدث الدراسات العصبيّة الفرصة لالتقاط الإشارات الكهربائية التي تكمن وراء التفكير. وأظهرت أنه حتى الأفكار البدائية البسيطة تنطوي على كمية هائلة من النشاط، حيث تُثار مناطق الدماغ المختلفة وترسل المعلومات إلى المناطق الأخرى، وتعمل بعض المناطق "المركزية" على توجيه حركة سير تلك المعلومات.

كلما صعبت عملية التذكر، زاد نشاط القشرة أمام الجبهية، وطال أمد الاستجابة، بسبب الوقت الذي تستغرقه تلك المنطقة في تنشيط مناطق دماغية أخرى مثل الشبكات التي تُخزن فيها الذكريات

مواقع التواصل

في العام الماضي، على سبيل المثال، تمكّنت شستيج وزملاؤها من تسجيل الرحلة التي تقطعها الأفكار الفردية في الدماغ عن طريق قياس إشارات كهربائية معينة عندما طُلب من الأشخاص المشاركين في الدراسة تذكّر وقول إحدى الكلمات. وقد كانت المناطق الأولى التي أظهرت نشاطا كهربائيا هي القشرة البصرية والسمعية، التي تستقبل الإشارات من العينين والأذنين. وبعد ذلك، بدأ مركز قيادة الدماغ -القشرة أمام الجبهية- في النشاط.

كلما صعبت عملية التذكر، زاد نشاط القشرة أمام الجبهية، وطال أمد الاستجابة، بسبب الوقت الذي تستغرقه تلك المنطقة في تنشيط مناطق دماغية أخرى مثل الشبكات التي تُخزن فيها الذكريات. وأخيرا، تنشط القشرة الحركية لتوليد استجابة منطوقة. ومن المدهش أن ذلك يحدث قبل أن تقرر القشرة أمام الجبهية الاستجابة. كما تقول شستيج: "لهذا السبب نبدأ الحديث في بعض الأحيان قبل أن نعرف ما نريد أن نقوله".

وعلى ذلك، تساعد القشرة أمام الجبهية على تنسيق عمليات التفكير، ولكن الإشارات المعنية تحتاج أيضا إلى التنسيق. هذه هي وظيفة الموجات الدماغية، وهي موجات النشاط العصبي التي تتذبذب بترددات مختلفة عبر الدماغ. وقد كشف البحث الذي أجراه سولومون أنه أثناء اختبار الذاكرة، تصبح موجات ثيتا ذات التردد المنخفض في مختلف مناطق المخ المعنية متناسقة، وهذا التزامن ربما يسمح بتوصيل المعلومات بين المناطق.

تعني قدرتنا الجديدة على مراقبة الأفكار الفردية أن أجهزة قراءة الأفكار لم تعد مجرد أمور خيالية. وفي مطلع هذا العام، استخدمت الأقطاب الكهربائية المثبتة على الدماغ لترجمة الموجات الدماغية إلى كلمات ينطق بها الحاسوب. قد تساعد مثل هذه التقنيات الأشخاص الذين يعانون من متلازمة المُنْحَبِس، وهي الحالة المرضية التي يكون فيها المريض في حالة استيقاظ ووعي ولكنه غير قادر على التواصل الشفهي مع الآخرين بسبب كونه في حالة شلل كامل لكل عضلاته الإرادية عدا عضلات العينين. كل ذلك بفضل قوة التفكير.

هل أنت شخص يميني أو يساري الدماغ؟

ربما اعتقدت من قبل أنك شخص يميني أو يساري الدماغ، أي يغلب عليك السمات العقلانية والمنطقية، أو الإبداعية والحيوية. ورغم جاذبية هذا المفهوم، فإنه أيضا محض خرافة. من السهل معرفة سبب نشوء هذه الفكرة. ففي حقبة الستينيات من القرن العشرين، اكتشفنا أن بعض الوظائف تحدث فقط على جانب واحد من الدماغ. إذ إن معظم الناس يعالجون اللغة في النصف الأيسر من الدماغ، بينما يضطلع النصف الأيمن من الدماغ في معالجة العواطف. وسرعان ما قيل إن النصف الأيسر يسيطر على المهام التي تشمل المنطق، واللغة، والتفكير التحليلي. في حين أن الجانب الأيمن من الدماغ هو المسؤول عن التحكم في العواطف، والذوق الموسيقي، والميل للتصرف باندفاع. ومنذ ذلك الحين ظهرت المقولة الشهيرة إن شخصيتك يُمكن أن تتحدد من خلال أي جانب من دماغك يهيمن على أفعالك.

بيد أن الحقيقة مختلفة بعض الشيء. فعلى سبيل المثال، على الرغم من أن النصف الأيسر من الدماغ هو المسؤول عن إصدار الكلمات التي قد تتسم بالتعقيد، يسمح النصف الأيمن بفهم المحتوى العاطفي والمجازي لتلك الكلمات، إذ إنه يمنحك بعض المهارات اللغوية. ومن ناحية أخرى، يُنشط التفكير الإبداعي شبكة واسعة من الخلايا التي لا تحفز أيًّا من نصفي الدماغ.

علاوة على ذلك، لا يوجد دليل على أن أحد جانبي الدماغ أكثر نشاطا من الآخر. فقد أجرى جيفري أندرسون من جامعة يوتا فحوصات شملت أدمغة أكثر من ألف شخص، أثناء قيامهم بأداء مهام مختلفة، وكشفت النتائج أن أيًّا منهم لم يظهر هيمنة لجانب واحد من الدماغ على حساب الآخر.

عودة للصفحة الرئيسية

الصفحة الرئيسية   |   أضفنا إلى مفضلتك   |   من نحن؟    |   اتصل بتا